في الوقت الذي يتسابق فيه العالم على إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التعليم، اختارت نيويورك الاتجاه المعاكس، بوضع قيود واسعة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل مدارسها الحكومية، انطلاقًا من مخاوف تتعلق بتأثير التكنولوجيا على طريقة تعلم الأطفال وتطور مهاراتهم.
ويقضي القرار، الذي يمتد للعام الدراسي 2026-2027، بمنع الطلاب من مرحلة ما قبل رياض الأطفال وحتى الصف الثامن من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الموجهة إليهم، بما في ذلك روبوتات المحادثة وأدوات التدريس المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
ويستند هذا التوجه إلى فكرة أساسية طرحها عمدة نيويورك زهران ممداني، وهي أن السنوات الأولى من التعليم لا تتعلق فقط بالحصول على المعلومات، وإنما ببناء مهارات التفكير والتواصل والعلاقات الإنسانية. وقال إن الأطفال “يحتاجون إلى المعلمين والتواصل الإنساني من أجل التعلم والنمو”، إلى جانب تطوير مهاراتهم مع أقرانهم والتعامل بأنفسهم مع المشكلات الصعبة.
ولا تستهدف السياسة الجديدة الذكاء الاصطناعي باعتباره تكنولوجيا مرفوضة، بقدر ما تضع حدودًا للمرحلة التي يمكن أن يدخل فيها إلى العملية التعليمية، فطلاب المدارس الثانوية سيحصلون على فرص محدودة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي من خلال برامج تجريبية تخضع لإشراف المعلمين، إلى جانب دروس مخصصة لفهم التكنولوجيا ومخاطرها والتحيزات المرتبطة بها والقضايا الأخلاقية التي تثيرها.
وفي المقابل، سيظل بإمكان المعلمين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التخطيط للتدريس والمهام التشغيلية، مع منع استخدامها في وضع درجات الطلاب أو تقييمهم.
وتكشف هذه السياسة عن تحول مهم في النقاش حول الذكاء الاصطناعي في التعليم: فالسؤال لم يعد فقط كيف يمكن استخدام التكنولوجيا لتسريع التعلم، وإنما ما الذي قد يخسره الطالب عندما تتولى الخوارزميات جزءًا من المهام التي يفترض أن تدفعه إلى التفكير والمحاولة والخطأ بنفسه.
وتشير دراسات حديثة إلى هذا التناقض؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الطلاب على إنجاز الواجبات بصورة أسرع وتحسين نتائجهم فيها، لكن الاعتماد عليه لفترة أطول قد لا ينعكس بالضرورة على قدرتهم على التعلم بصورة مستقلة. وأظهرت دراسة لباحثين من جامعة ستوكهولم وجامعة هونغ كونغ ارتفاع درجات الواجبات المنزلية بنسبة 18% بعد نحو ستة أشهر من استخدام الذكاء الاصطناعي، مقابل تراجع نتائج الاختبارات المغلقة بنسبة 20%.
وفي هذا السياق، لا تقف نيويورك عند حدود الذكاء الاصطناعي، بل تربط السياسة الجديدة أيضًا بمشكلة أوسع تتعلق بعلاقة الأطفال بالتكنولوجيا، من خلال وضع قيود على وقت استخدام الأجهزة الفردية داخل المدارس.
وتوصي السياسة بألا يتجاوز وقت استخدام الأجهزة الفردية 30 دقيقة يوميًا لطلاب الصفوف من الثالث إلى الخامس، و45 دقيقة لطلاب الصفوف من السادس إلى الثامن، بينما يخضع استخدام هذه الأجهزة لقيود أكبر لدى الطلاب الأصغر سنًا.
وتعكس الخطوة محاولة لتحقيق توازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي والحفاظ على المساحات التعليمية التي تعتمد على التفاعل البشري والتفكير المستقل. ولذلك، اختارت المدينة فترة عام واحد لتقييم الحظر والبرامج التجريبية، قبل اتخاذ قرار بشأن شكل استخدام الذكاء الاصطناعي في مدارسها خلال السنوات المقبلة.