لم تعد عمليات التزييف العميق Deepfake التي يصنعها الذكاء الاصطناعي تقتصر على تقليد المشاهير والسياسيين، إذ أصبحت مقاطع فيديو مزيفة تنتحل شخصيات أطباء معروفين تستخدم للترويج لأدوية وعلاجات صحية غير حقيقية، في خدعة تثير مخاوف متزايدة من تعرض المرضى لخسائر مالية أو أضرار صحية نتيجة تصديق نصائح لم يقدمها الأطباء في الواقع.
أطباء مشهورون يتحولون إلى ضحايا للـ Deepfake
من بين الأطباء الذين تعرضوا لهذه الخدعة الدكتورة بوني هنري، كبيرة مسؤولي الصحة العامة في مقاطعة بريتيش كولومبيا الكندية، والتي أصبحت معروفة على نطاق واسع خلال جائحة كورونا بسبب ظهورها المتكرر في المؤتمرات الصحفية، قبل أن تظهر صورتها وصوتها لاحقًا في مقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي للترويج لمنتجات صحية، من بينها علاج مزعوم لمشكلات البروستاتا.
وقالت هنري إن الأمر كان مخيفًا في البداية، لأن التكنولوجيا جعلت من السهل إنتاج مقاطع تبدو وكأنها تتحدث بالفعل، رغم أن الكلمات المنسوبة إليها لم تقلها مطلقًا، مؤكدة أن المشكلة تكمن في استخدام صور وأصوات حقيقية وتحريفها لتبدو وكأن أصحابها يؤيدون منتجات طبية معينة.
ولم تكن هنري الحالة الوحيدة، إذ قال الطبيب فرانسوا ماركيز، رئيس قسم العناية المركزة في مستشفى Maisonneuve-Rosemont بمدينة مونتريال، إن مرضى وزملاء أبلغوه بظهور مقاطع تستخدم صورته وصوته للترويج لأنواع مختلفة من الحبوب والمنتجات الصحية، ووصل الأمر في أحد المقاطع إلى الادعاء بأنه يعرض مليون دولار لمن لا يرضى عن المنتج.
الذكاء الاصطناعي يجعل اكتشاف الخدعة أكثر صعوبة
يعتمد الـ Deepfake على إنشاء نسخة رقمية من شخص حقيقي باستخدام الذكاء الاصطناعي، تشمل ملامح الوجه وحركاته وصوته، ومع تطور أدوات التوليد أصبحت المقاطع المزيفة أكثر إقناعًا، وهو ما يزيد صعوبة التمييز بينها وبين التسجيلات الحقيقية.
وأشارت دراسة منشورة سابقًا إلى أن ما يصل إلى نصف المشاركين لم يتمكنوا من التمييز بين مقاطع Deepfake ومقاطع حقيقية تتناول موضوعات علمية، في وقت يحذر فيه خبراء من أن جودة هذه المقاطع ستواصل التحسن خلال السنوات المقبلة.
وقال تيموثي كولفيلد، الباحث والأستاذ المتخصص في قانون الصحة وسياسات العلوم بجامعة ألبرتا، إن عمليات الاحتيال القائمة على Deepfake ستصبح أكثر تطورًا وإقناعًا، وهو ما يجعل الاعتماد على قدرة المستخدم العادي على اكتشاف التزييف بنفسه أمرًا أكثر صعوبة.
الخطر لا يتوقف عند خسارة الأموال
تكمن الخطورة الأكبر في أن الضحايا قد لا يخسرون أموالهم فقط، بل يمكن أن يتبعوا نصائح طبية مزيفة أو يشتروا أدوية مجهولة المصدر، إذ روى ماركيز واقعة مريض ذهب إليه في وحدة العناية المركزة مطالبًا باستعادة أمواله بعدما دفع مئات الدولارات مقابل حبوب لم تصله في النهاية.
ويخشى الطبيب من سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في أن يحصل المرضى على منتجات مزيفة ويتناولونها بالفعل، أو يصدقون نصائح تدفعهم إلى التوقف عن تناول أدوية موصوفة لهم من أطبائهم، وهو ما قد يؤدي إلى عواقب صحية خطيرة.
وتزداد صعوبة مواجهة هذه المقاطع بسبب سرعة انتشارها على منصات التواصل الاجتماعي، إذ قال أطباء إنهم واجهوا صعوبات في إزالة المقاطع المزيفة رغم الإبلاغ عنها للمنصات والجهات الطبية والشرطة، بينما قد تظهر نسخ جديدة بعد إزالة المقاطع السابقة بفترة قصيرة.
كيف تكتشف الطبيب المزيف؟
ينصح الخبراء بالتعامل مع أي فيديو يظهر فيه طبيب يروج مباشرة لدواء أو علاج باعتباره علامة تحذير تستوجب التحقق، خاصة أن الأطباء في كندا يخضعون لقواعد مهنية تمنعهم من الترويج العلني للمنتجات الطبية في الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى الخبراء أن أفضل وسيلة للتعامل مع هذه المقاطع هي عدم الاكتفاء بمظهر الفيديو أو الصوت، بل البحث عن المنتج أو التصريح الطبي عبر مصادر رسمية، وعدم شراء الأدوية أو تغيير العلاج بناءً على مقطع ظهر في إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، تبدو المواجهة أكثر تعقيدًا، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتطوير تقنيات قادرة على اكتشاف الـ Deepfake، وإنما أيضًا بوضع آليات أسرع لإزالة المحتوى المزيف، ومحاسبة الجهات التي تقف وراءه، وتوعية المستخدمين بأن ظهور طبيب معروف على الشاشة لا يعني بالضرورة أن هذا الطبيب هو من يتحدث بالفعل.





