في قلب مدينة الغردقة، حيث تتلاطم أمواج البحر الأحمر بألوانها الفيروزية الساحرة، تتجلى حكايات الماضي العتيق لتجسد العلاقات بين الأجيال، قبل أن تصير الغردقة واحدة من أبرز الوجهات السياحية العالمية، كانت هناك صرخات صيد وصوت شراع يروي قصة صراع وبقاء.
هؤلاء هم “الصيادون” الذين يمثلون الحرس القديم للبحر والركيزة الأساسية التي بُني عليها صرح السياحة البحرية الحديثة في المدينة، فالذين يستعرضون تاريخ الغردقة يدركون تمامًا أن “ريس” اللنش السياحي اليوم، لم يكن وليد صدفة بل هو تلميذ نجيب في مدرسة البحر الكبرى.
تعتبر بداية الغردقة كمدينة مأهولة ومحطة بحرية هامة تاريخًا يمتد لعقود طويلة، حيث كانت في الأصل قرية صيد صغيرة تعتمد عادة على ما تجود به أعماق البحر الأحمر، ومع فجر السياحة في السبعينيات والثمانينيات، بدأ توافد عشاق الغوص واكتشاف الشعاب.
لكن في تلك الحقبة، لم يكن هناك دليل سياحي محترف أو قادة سفن يحملون الشهادات الدولية، لذلك، برز دور صيادي الغردقة الذين استعان بهم رواد السياحة الأوائل نظرًا لخبراتهم في معرفة المواقع الأمنية ومواقع الشعاب المرجانية.
لقد ساعد الصيادون الربان والسائحين في التعامل مع غدر الأمواج وقراءة السماء ليلاً للوصول إلى المرسى بأمان، “البحر ملوش كبير” مقولة تؤكد ضرورة احترام البحر من خلال احترام من يعيشون عليه.
في البحر، توجد قواعد وأعراف لا تُكتب بل تُكتسب من خلال الخبرة والمواقف، لذا، يحرص قدامى البحارة في الغردقة على توضيح بعض الأصول الأساسية التي يجب أن يتحلى بها الصيادون.
أولاً، مسافة الأمانة تُعَدّ أمرًا ضروريًا حيث يجب على اللنش السياحي الابتعاد عن “الفلّوكة” أو مركب الصيد لتجنب التسبب بإزعاج للصيادين، فالصياد يسعى للرزق بينما السائح يتطلع للترفيه.
ثانيًا، آداب الصورة تعد من الواجبات الأدبية؛ فعند محاولة السياح التقاط صور للصيادين أثناء عملهم، يجب على “الريس” توضيح أهمية احترام الخصوصية وعدم التطفل.
ثالثًا، التكافل وقت الشدة يُعتبر شفافية، فالكثير من المرات تجد لنشًا سياحيًا عطلاً، ولم يُنقذه سوى كرم أحد الصيادين الذين ساعدوه بكل سرور.
إن تعامل طاقم اللنش مع الصيادين باحترام يُجسد أخلاقيات المهنة ويترك أثرًا عميقًا في نفوس السياح، حين يرون الربان يتعامل مع الصياد بندية، يشعرون بالأمان والاحترام، مما يعزز السياحة.
السياحة ليست مجرد خدمات تُقدم، بل هي تصدير لثقافة ومبادئ المجتمع المحلي وأخلاقياته، فهي التي تجعل السياح يترددون على الغردقة ويشجعون أصدقائهم على زيارتها.
يُعبر “عم محمد”، أحد أقدم الصيادين في مرسى الغردقة، عن ذلك قائلاً: “زمان كنا نحن الدليل لأي مركب يزور الغردقة، وعلمنا الشباب كيفية التمييز بين الأمواج المختلفة،”.
أما “أحمد، م” قائد لنش سياحي شاب، فيشير إلى أنه تعلم من كبار الصيادين أهمية الاحترام في التعامل، فهو يحرص على إبطاء السرعة بجانب الصيادين ويعمل على توعية السياح لأهمية مراعاة عملهم.
يمكن تلخيص رسالة مجتمع البحر في أهمية التعاون المشترك وتوعية الشركات السياحية ومرافقيها بالممارسات الجيدة التي تحافظ على الأصول والتقاليد البحرية، يجب دمج مبادئ “أخلاقيات البحر” في تدريب البحارة الجدد.
الحفاظ على البيئة البحرية يعد من أولويات الصيادين والسياح، فكل منهما يعتمد على جمال البحر، ولم يكن ممكنًا أن تصل إيحاءات سياحة الغردقة إلى ما هي عليه لولا جهود وتضحيات الصيادين الرواد.
إن الاحترام المتبادل بين الصيادين والسائحين ليس مجرد ترف بل هو الضمان الحقيقي لاستمرار روح الغردقة الجميلة على مر الزمن.