وصلت لـ 34 مليار جنيه.. «الأسبوع» تكشف تطوُّر ميزانية العلاج على نفقة الدولة خلال 12 عامًا

الاسبوع 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بين جدران المستشفى، حيث تفوح رائحة «البنج» والتعقيم الممزوجة بأنين المرضى، يسير «عم صابر» الذي يعاني بعض المشكلات الصحية، وفي يده ملف ورقي مهترئ يضم أحدث فحوصاته الطبية التي باتت هي شاغله الشاغل، حتى وقف أمام ذلك الشباك الحديدي.

لم تكن فصول قصة «صابر» - وهو الاسم الذي يختصر وجع الآلاف - لتبدأ من هنا، بل بدأت مع أول خيط للفجر، حين استجمع قواه ليقف في ذلك الطابور الممتد أمام «الشباك الحديدي»، حيث ينقسم المنتظرون إلى صفين: أحدهما للرجال والآخر للسيدات، يقف الجميع في حضرة «الانتظار» المر، وتمتد أعناقهم نحو الموظف خلف الشباك المكتوب عليه بوضوح: «قرارات العلاج على نفقة الدولة».

يعاني صابر بعض المشكلات الصحية في القلب ويحتاج إلى إجراء عملية جراحية لتركيب دعامات وإجراء قسطرة قلبية، لذلك طلب منه الطبيب الذهاب إلى شباك المجالس الطبية المتخصصة بالمستشفى لاستخراج قرار علاج على نفقة الدولة، والذي يستغرق - بحسب كلام الطبيب - 14 يوما فقط.

تستهدف قرارات العلاج على نفقة الدولة، والتي تصدر عن المجالس الطبية المتخصصة التابعة لوزارة الصحة والسكان، المواطنين غير المنتفعين بمظلة التأمين الصحي وغير القادرين على تحمل نفقات العلاج بهدف تخفيف الأعباء عن كاهل الأسر الأكثر احتياجًا، وضمان حصولهم على خدمات طبية لائقة دون تمييز.

كانت المجالس الطبية المتخصصة قد أنشئت بقرار رئيس الجمهورية رقم 414 لسنة 1975، لتحقيق العدالة الاجتماعية كشبكة أمان صحي للمواطنين. وخلال أواخر الشهر الماضي، نظمت وزارة الصحة والسكان احتفالية بمناسبة مرور 50 عامًا على الإنشاء.

ومن جانبه، قال الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان: إن المجالس الطبية المتخصصة جسدت على مدار نصف قرن التزام الدولة المصرية بضمان أحد أبرز الحقوق الدستورية للمواطن وهو الحق في العلاج. مشيرًا إلى أن هذا الكيان العريق ظل ولا يزال ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الصحية في الجمهورية.

وأكد عبد الغفار التزام وزارة الصحة والسكان بمواصلة تطوير أداء المجالس وتسريع إجراءاتها وتعميق التحول الرقمي، لضمان استدامة العدالة الصحية وتأكيد أن حق كل مواطن في العلاج يظل واجباً وطنياً ثابتاً لا تهاون فيه. لافتا إلى أن المجالس لم تكن يوما مجرد جهة إدارية، بل صرح طبي استراتيجي يمتلك السلطة الطبية العليا في منظومة العلاج على نفقة الدولة، ويمثل الذراع التنفيذية لإرادة الدولة في ترجمة حق العلاج إلى قرارات حاسمة تعكس أن العلاج ليس منحة بل حق أصيل يكفله الدستور لكل مواطن دون تمييز.

فيما وصل «عم صابر»إلى الشباك الذي يجلس خلفه موظف طلب منه صورة البطاقة وصور الفحوصات التي يحملها، وعقب تسليمه هذه الأشعات والفحوصات، أبلغه أن يسأل عن القرار بعد أسبوعين.

مر أسبوعان، وذهب «عم صابر» للسؤال عن القرار، وإذا بالموظف يقول له: «لسه.. تعالى بعد أسبوع».

وبملامح أرهقها الإعياء، ويد ترتعش من أثر الأزمات القلبية المتكررة، حاول «عم صابر» استعطاف الموظف قائلاً: «يا بني، أنا جئت في الموعد الذي حددته لي، أنا أدفع مصاريف مواصلات (رايح جاي) وأنا تعبان ومش مستحمل المشاوير وقلبي واجعني، ده غير الأزمات اللي بتجيلي.. أعمل إيه دلوقتي أنا محتاج القرار.. أنا لا أطلب مستحيلاً، أنا فقط أحتاج القرار لأبدأ علاجي».

تجاهل الموظف الرد على «عم صابر» ولوح بيده قائلاً: «لسه دورك مجاش.. أعمل لك إيه؟».

إذن الواقع يؤكد أن هناك فجوة كبيرة بين تصريحات الدكتور خالد عبد الغفار، وما يعانيه المرضى على شباك قرارات العلاج على نفقة الدولة.

في السابق كان المريض يذهب بنفسه إلى مقر المجالس الطبية المتخصصة لتسليم الفحوصات واستلام القرار، ولكن بعد قضية فساد قرارات العلاج على نفقة الدولة، صدرت تعليمات ولوائح جديدة بحيث يتم التعامل من خلال المستشفيات، حيث يوجد بكل مستشفى -والتي يتعدى عددها أكثر من 450 مستشفى على مستوى المحافظات- شباك مخصص لاستلام الفحوصات وتسليم القرار إلى إدارة المستشفى.

ولكن السؤال: ما الذي يؤدي إلى تأخر قرارات العلاج بحيث تصل إلى أكثر من 20 يومًا؟

بحسب مصادر داخل المستشفيات، فإن هناك خللاً في منظومة التسجيل الإلكتروني، حيث يخضع كل مريض لنظام «الدور» بحسب وقت تقديمه للملف الطبي الخاص به، والذي يشمل كافة الفحوصات الطبية المطلوبة إلى شباك المجالس الطبية المتخصصة بالمستشفى.

كما أن أغلب مكاتب المجالس الطبية المتخصصة بالمستشفيات تعتمد على موظف واحد، ومع تدفق العشرات يومياً من الحالات الحرجة، يجد الموظف نفسه محاصراً بتراكم الأوراق والفحوصات التي تتطلب إدخالاً يدوياً دقيقاً، مما يحوِّل «السيستم» من وسيلة للإنقاذ إلى ساحة لتراكم الأدوار.

هذا التكدس اليومي لا يبتلع الوقت فحسب، بل يبتلع معه طاقة مرضى مثل «عم صابر»، الذين تضيع استغاثاتهم بين أرقام المسلسل وضغط الملفات المتراكمة، أو عطل يصيب «السيستم»، ليتحول حق العلاج المكفول قانوناً إلى رحلة شاقة بانتظار إشارة المرور من شاشة الموظف.

رحلة المليارات:

وطبقاً للبيانات التي حصلت عليها «الأسبوع»، فقد شهد ملف العلاج على نفقة الدولة بين عامي 2014 و2026، وعلى مدار أكثر من 12 عاماً، رحلة تمويلية ضخمة تعكس حجم التحديات الصحية والاقتصادية.

فبالعودة إلى عام 2014، كانت الميزانية لا تتجاوز 2.5 مليار جنيه لخدمة 1.6 مليون قرار، لتبدأ في التصاعد التدريجي مسجلة 5.2 مليار جنيه في 2016 (نحو 2.1 مليون قرار)، ثم 8.4 مليار في 2018 لـ 2.6 مليون قرار، ومع انطلاق المبادرات الرئاسية في عام 2019، كسر الإنفاق حاجز الـ 10.3 مليار جنيه لـ 3.6 مليون قرار، قبل أن تستقر في عام 2020 عند 9 مليارات جنيه (لـ 2.9 مليون قرار) نتيجة تداعيات جائحة كورونا.

ومع دخول عام 2021، عاود المنحنى صعوده مسجلاً 11 مليار جنيه لـ 3.1 مليون قرار، ثم 14.5 مليار في 2022 لـ 3.5 مليون قرار. وفي عام 2023، قفز الإنفاق إلى 18 مليار جنيه لـ 3.8 مليون قرار، ليصل في 2024 إلى 24.2 مليار جنيه لنحو 3.93 مليون قرار متأثراً بتحرير سعر الصرف. وبحلول عام 2025، سجلت المنظومة ذروتها التاريخية بإنفاق 30.8 مليار جنيه لخدمة 4.22 مليون قرار، بينما تشير مؤشرات الربع الأول من عام 2026 إلى تسجيل 7.5 مليار جنيه لنحو 850 ألف قرار، وسط توقعات بأن تتخطى فاتورة العام الجاري حاجز الـ 34 مليار جنيه.

ومع ذلك، يظل التحدي قائمًا، فبينما تفخر وزارة الصحة والسكان بتقديم مليون و86 ألف خدمة علاجية عبر المجالس الفرعية في المحافظات خلال عام واحد، تبرز المفارقة في أن هذه المليارات المصروفة والقرارات المليونية لم تمنع اصطدام مواطن مثل «عم صابر» بحائط الانتظار.

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور محمد العقاد، رئيس المجالس الطبية المتخصصة أن المجالس لعبت دورا محوريا في دعم منظومة العلاج على نفقة الدولة منذ إنشائها قبل أكثر من 50 عاما، مشددا على التزامها بضمان وصول الخدمة الطبية لمستحقيها في جميع محافظات الجمهورية. لافتا إلى أن المجالس تعمل من خلال منظومة متكاملة تغطي 27 محافظة، وتضم مئات المستشفيات، مع الالتزام بالبروتوكولات العلاجية المعتمدة، إلى جانب إصدار القرارات الطبية التي تضمن وصول الدعم للمواطنين المستحقين بكل شفافية ودقة.

وأشار إلى أنه حتى عام 2026 تم إصدار نحو 56 مليون قرار علاج على نفقة الدولة، استفاد منها 37 مليون مريض، بإجمالي نفقات بلغت 175 مليار جنيه، في تأكيد على حجم الجهود المبذولة لدعم غير القادرين.

وأضاف أن المجالس الطبية المتخصصة تقدم أربع خدمات رئيسية تشمل: إصدار كارت الخدمات المتكاملة، والذي يستفيد منه نحو 5 ملايين مواطن، وإجراء الكشف الطبي للمستفيدين من برامج الدعم النقدي مثل «تكافل وكرامة» حيث تم إجراء نحو 3 ملايين كشف طبي، إلى جانب توقيع الكشف الطبي على 460 ألفاً من طالبي الحصول على السيارات المجهزة لذوي الهمم، فضلاً عن توفير الأطراف الصناعية والسماعات الطبية، وتقديم نحو مليون خدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.

كما تقوم المجالس بإصدار الرخص المهنية وكارت إثبات الإعاقة، بما يعزز من دمج وتمكين ذوي الهمم داخل المجتمع مؤكدًا أن المجالس الطبية المتخصصة مستمرة في تطوير خدماتها والتحول الرقمي، لضمان سرعة الإنجاز ودقة الإجراءات، بما يحقق العدالة في تقديم الخدمة الصحية والدعم الاجتماعي للمواطنين.

الأورام والقلب في الصدارة:

فيما كشفت المؤشرات التحليلية لبيانات العلاج على نفقة الدولة في مصر عن تحول جوهري في بوصلة الإنفاق الصحي منذ عام 2020 وحتى مطلع عام 2026، فبعد انقضاء مرحلة «الاستجابة الطارئة» (2020-2022) التي هيمنت عليها أمراض الصدر والعناية المركزة، انتقل التركيز الحكومي نحو معالجة التراكمات في جراحات «قوائم الانتظار» خلال عامي 2023 و2024، وصولاً إلى المرحلة الراهنة (2025-2026) التي اتسمت بمواجهة قفزات التكلفة العلاجية للأمراض المستعصية.

وتصدرت الأورام وأمراض الدم قائمة التخصصات الأكثر استحواذًا على قرارات العلاج بنسبة بلغت 28%، مدفوعة بإدراج بروتوكولات الأدوية البيولوجية والمناعية الحديثة وزيادة عمليات زراعة النخاع، لتصبح التخصص الأعلى تكلفة ضمن المنظومة.

وجاءت أمراض الباطنة والكلى في المرتبة الثانية بنسبة 24%، حيث حافظت جلسات الغسيل الكلوي وعلاج الكبد على استقرارها العددي مع بدء انتقال بعض الفئات لمنظومة التأمين الصحي الشامل.

وفي سياق متصل، حصدت أمراض القلب والقسطرة نسبة 18% من إجمالي القرارات، مسجلةً انخفاضاً ملحوظاً في فترات الانتظار بفضل المبادرات الرئاسية المكثفة، كما برزت الجراحة العامة والعظام بنسبة 15%، مع زيادة مطردة في قرارات تغيير المفاصل وجراحات العمود الفقري. أما أمراض العيون (الرمد)، فقد شكلت 8% من التغطية، مع التركيز على استعادة الإبصار للمسنين عبر جراحات المياه البيضاء وزرع القرنية، بينما توزعت النسبة المتبقية (7%) على تخصصات نوعية تشمل علاج الأمراض المناعية النادرة مثل التصلب المتعدد وحالات النساء والولادة الحرجة.

خارطة الوجع:

وفي قراءة متأنية لـ «خارطة الوجع» وتوزيعه الجغرافي، كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن المجالس الطبية المتخصصة ووزارة الصحة لعامي 2025 و2026، عن تمركز لافت لقرارات العلاج في إقليم القاهرة الكبرى، الذي استأثر بنصيب الأسد بنسبة تراوحت بين 35% إلى 40%، وهو ما يرجعه الخبراء إلى تركز المعاهد القومية والمستشفيات الجامعية الكبرى بالعاصمة، وجاء إقليم الدلتا في المرتبة الثانية بنسبة 25%، مدعوماً بالقلاع الطبية في محافظات الدقهلية والغربية، بينما سجل صعيد مصر طفرة ملموسة بوصوله إلى 22% من إجمالي القرارات، بفضل تفعيل منظومة «المناظرة عن بُعد» وتطوير مستشفيات أسيوط وسوهاج الجامعية، مما قلل من وتيرة الهجرة العلاجية نحو القاهرة.

وفي المقابل، بدأت ملامح التوزيع الجغرافي في التغير الجذري بمحافظات القناة وسيناء، التي سجلت 8% فقط، ليس بسبب نقص الخدمة، بل نتيجة انسحابها التدريجي من مظلة «نفقة الدولة» وانضوائها تحت لواء التأمين الصحي الشامل، وهي المفارقة التي تؤكدها تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حيث تتقلص قرارات العلاج التقليدية كلما تمددت المنظومة الجديدة، لتظل المحافظات الحدودية في مطروح والوادي الجديد هي الأكثر اعتماداً على القوافل الطبية والقرارات الطارئة بنسبة تغطية بلغت 7%.

من جانبه، أكد الدكتور محمد العقاد، رئيس المجالس الطبية المتخصصة، الدور المحوري الذي تضطلع به المجالس في دعم منظومة العلاج على نفقة الدولة منذ أكثر من خمسة عقود، مشدداً على الالتزام الراسخ بضمان وصول الرعاية الصحية لمستحقيها في كافة محافظات الجمهورية عبر منظومة متكاملة تلتزم بأعلى معايير الشفافية والبروتوكولات العلاجية المعتمدة.

وكشف العقاد أن الجهود المبذولة حتى عام 2026 أسفرت عن إصدار نحو 56 مليون قرار علاج بتكلفة إجمالية بلغت 175 مليار جنيه، استفاد منها 37 مليون مواطن، بما يعكس حجم الدعم المقدم لغير القادرين.

وأوضح أن خدمات المجالس تمتد لتشمل جوانب اجتماعية وتنموية هامة، منها إصدار كارت الخدمات المتكاملة لنحو 5 ملايين مواطن، وإجراء 3 ملايين كشف طبي لمستفيدي «تكافل وكرامة»، بالإضافة إلى فحص 460 ألف طلب للحصول على سيارات مجهزة لذوي الهمم، وتوفير الأطراف الصناعية والسماعات لنحو مليون مستفيد.

واختتم العقاد بالتأكيد على استمرار مسيرة التطوير والتحول الرقمي لضمان دقة الإجراءات وسرعة الإنجاز، بما يعزز من تمكين ذوي الهمم ودمجهم مجتمعياً ويحقق العدالة في تقديم الخدمات الصحية.

الدليل الموحد:

في مارس، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن تفعيل ما عُرف باسم «الدليل الموحد لإجراءات العمل»، كخطوة تهدف إلى تعزيز كفاءة المنظومة الصحية وضمان تنظيم إجراءات استخراج قرارات العلاج على نفقة الدولة بما يضمن توحيد المعايير الطبية والإدارية في كافة محافظات الجمهورية.

ويهدف هذا الدليل - كما أشار الدكتور حسام عبد الغفار المتحدث الإعلامي لوزارة الصحة والسكان- إلى أن متوسط وقت إصدار قرار «حالات الطوارئ »لا يتعدى ساعتين، والحالات العادية 48 ساعة.

لافتاً إلى أن «الدليل الموحد» يغطي شبكة واسعة تضم أكثر من 600 مستشفى بجميع أنحاء الجمهورية. مشيرا إلى أن الهدف الرئيسي هو توحيد المعايير الطبية والإدارية. وأكد عبد الغفار أن المنظومة الجديدة تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، مما يتيح إصدار قرارات العلاج عبر تقنيات التشخيص عن بُعد، وهو ما أسهم في تقليص زمن الانتظار ورفع المعاناة عن كاهل المواطنين، خاصة في حالات التدخلات الجراحية المعقدة كزراعة النخاع وعلاج الأورام.

اقرأ أيضاً
«الصحة» تقدم أكثر من 94.7 مليون خدمة طبية وعلاجية خلال 2025

مجانية وهمية داخل المستشفيات الحكومية.. تحقيق استقصائى يكشف حقيقة علاج الإدمان فى مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق