في عصر المعلومات الرقمية، أصبحت الكميات الهائلة من المحتوى المتاح على الإنترنت تشكل أحد المصادر الأساسية التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة في تعزيز مهاراتها في فهم العالم والرد على استفسارات المستخدمين لكن يطرح هذا الاستخدام تساؤلات قانونية وأخلاقية ملحة: هل يحق لشركات الذكاء الاصطناعي الاستفادة من هذا المحتوى دون الحصول على إذن أو تعويض مالي من مُلّاكه.
تصريحات مثيرة من مايكروسوفت
تزداد أهمية هذه النقطة مع تصاعد الدعاوى القضائية المرفوعة من مؤلفين وناشرين ضد شركات مثل أوبن إيه آي ومايكروسوفت بسبب استخدامها لأعمال محمية بحقوق النشر في تدريب نماذجها ويكشف ما ورد في الوثائق القانونية عن جدل واسع داخل صناعة التكنولوجيا حول هذه الممارسات.
ومن أهم ما تم الكشف عنه، تصريحات برنت هيشت، مدير العلوم التطبيقية في مايكروسوفت، الذي وصف نشاط جمع المحتوى من الإنترنت لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بأنه “أكبر سرقة للجهد البشري في التاريخ”.
صراع بين “الاستخدام العادل” وحقوق الملكية الفكرية
يرى هيشت أن ملايين الأفراد حول العالم قد تعتبر أن قيام النماذج الكبيرة بجمع أعمالهم يمثل سرقة شاملة لم تُسبق في التاريخ حيث إن معظم المبدعين لم يوافقوا على استخدام أعمالهم بهذه الطريقة ولا يتلقون تعويضًا مقابل ذلك.
يعكس هذا النقاش قلب الخلاف الدائر حول تطور نماذج الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى كميات كبيرة من النصوص والصور لتتعلم وتقدم إجابات تشبه المحتوى البشري ولا تتضمن الإتاحة المجانية للمحتوى على الإنترنت بالضرورة تفويض الشركات باستخدامه في تدريب أنظمتها التجارية.
على الجانب الآخر، تستند مايكروسوفت وأوبن إيه آي إلى مبدأ الاستخدام العادل كمبرر لاستخدام الأعمال المحمية بحقوق النشر لتدريب نماذجها حيث ترى أن هذه النماذج لا تعيد نشر المحتويات المدربة عليها بصورة مباشرة بل تحولها إلى أنظمة قادرة على التعامل مع طلبات جديدة.
لكن المؤسسات الإعلامية تنظر إلى الموضوع من منظور مختلف خاصة مع تحسن تقنية روبوتات المحادثة التي انتقلت لتكون الوسيلة الأساسية للحصول على المعلومات بدلاً من زيارة المواقع الأصلية التي تنتج هذا المحتوى.
لم يعد المستخدم ملزماً بفتح مقال إخباري للحصول على معلومة فبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكنه طرح أسئلته مباشرة والحصول على الإجابات في منصة واحدة.
الأمر الذي أقر به ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، حيث أوضح أن التفاعل مع روبوتات المحادثة أصبح بديلًا عن زيارة المصدر الأصلي للمعلومات مما يظهر التغييرات التي أحدثتها هذه التقنيات في استهلاك الأخبار.
تشير المستندات إلى بيانات من مايكروسوفت تُظهر أن معدلات النقر على مواقع مثل نيويورك تايمز وDaily News انخفضت بنسبة تتراوح بين 83% و93% عند استخدام محرك الإجابات Copilot مقارنة بمحرك البحث التقليدي بينج.
معركة “نيويورك تايمز” ضد “OpenAI”
يتضح هنا وجود معضلة مزدوجة للمؤسسات الإعلامية حيث إن محتواها قد يساهم في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي لكنها في الوقت ذاته قد تؤدي إلى تقليل التفاعل مع مواقعها الأصلية ومع استمرار تحسين قدرات روبوتات المحادثة يصبح السؤال حول من يُحقق القيمة الاقتصادية من هذا المحتوى أكثر تعقيدا.
تكشف الوثائق أيضًا أن بعض مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي كانوا يدركون منذ البداية قدرة نماذجهم على التعامل مع المحتوى الإخباري حيث وصف جريج بروكمان، الشريك المؤسس لأوبن إيه آي، أن النماذج تتمتع بكفاءة عالية في معالجة نصوص المقالات الإخبارية.
في هذا السياق، يصبح النزاع أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف حول حقوق النشر بل يتعلق بالعلاقة المستقبلية بين منتجي المحتوى ومنصات الذكاء الاصطناعي وما إذا كان المحتوى الذي ينشئه الكتاب والصحفيون سيظل مصدرًا للزيارات والإيرادات أم سيتحول لمادة خام تستخدمها الأنظمة لتقديم المعلومات مباشرة للمستخدمين.
قامت نيويورك تايمز برفع دعوى ضد مايكروسوفت وأوبن إيه آي في عام 2023 بعد عام تقريباً من إطلاق ChatGPT حيث انضمت مؤسسات إعلامية أخرى إلى هذه القضية مثل New York Daily News وThe Intercept وCenter for Investigative Reporting.
في حين تواصل مايكروسوفت وأوبن إيه آي دفاعهما المبني على مبدأ “الاستخدام العادل”، تسعى المؤسسات الإعلامية المدعية للحصول على حكم لصالحها بشأن حقوق النشر.





