لبنان بين التهدئة المحتملة وحسابات المواجهة - المساء الاخباري

لبنان 24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
في لحظةٍ تتكثف فيها الاتصالات السياسية وتتصاعد فيها الرسائل العسكرية في آنٍ واحد، يعود لبنان إلى واجهة المشهد الإقليمي بوصفه أحد الملفات الأكثر ارتباطاً بمسار التوازنات الجارية في المنطقة. فالتطورات الأخيرة لم تعد تُقاس بحجمها الميداني المباشر فحسب، بل بما تعكسه من ارتباط متزايد بين ساحات الصراع المختلفة وبين المسارات التفاوضية التي تتحرك بالتوازي خلف الكواليس. وكلما اقتربت المنطقة من لحظة تفاهم محتملة، ارتفع منسوب الرسائل الميدانية، وكأن الأطراف المعنية تسعى إلى تحسين شروطها قبل الوصول إلى أي تسوية أو تفاهم جديد.

Advertisement


وبحسب مصادر مطلعة، فإن الحديث المتزايد عن ترتيبات تهدف إلى احتواء التصعيد على الجبهة اللبنانية لا يمكن فصله عن الحراك الدبلوماسي الجاري في أكثر من اتجاه. فواشنطن، التي وجدت نفسها أمام مخاطر اتساع المواجهة وتداعياتها الإقليمية، باتت أكثر اهتماماً بمنع الانزلاق نحو حرب شاملة قد تفرض أثماناً سياسية وأمنية واقتصادية يصعب التحكم بها لاحقاً، خصوصاً في ظل ملفات داخلية وخارجية تفرض نفسها على الإدارة الأميركية في هذه المرحلة.

وتشير المصادر إلى أن الساحة اللبنانية لم تكن خلال الاسابيع الماضية منفصلة عن مسار التفاوض الإقليمي الأوسع، بل تحولت تدريجياً إلى أحد عناصر الضغط المتبادلة بين الأطراف المعنية. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لخفض التوتر لا تعكس بالضرورة نهاية الصراع، بقدر ما تعكس رغبة مؤقتة في منع انفجار واسع قد يهدد مسارات أخرى يجري العمل عليها خلف الكواليس.

وفي موازاة المساعي الرامية إلى احتواء التصعيد، برزت خلال الأيام الأخيرة مواقف إيرانية حملت رسائل واضحة بشأن مستقبل الجبهة اللبنانية. فقد ربط وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بين أي استهداف إسرائيلي لبيروت وبين احتمال انزلاق المنطقة مجدداً نحو مواجهة واسعة، في موقف عكس تمسك طهران برفض فصل الساحة اللبنانية عن سائر التطورات الإقليمية.


وفي هذا السياق، ترى المصادر أن أحد أبرز التحولات التي ظهرت خلال المرحلة الأخيرة يتمثل في محاولة ربط أمن الجبهات المختلفة ببعضها البعض، بحيث تصبح أي خطوة عسكرية في ساحة معينة قابلة لإنتاج تداعيات تتجاوز حدودها المباشرة. وهو ما يفسّر ارتفاع سقف التحذيرات المتبادلة والحديث المتكرر عن ردود قد تطال مناطق ومصالح تعتبرها الأطراف المقابلة شديدة الحساسية.

أما داخل إسرائيل، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً مما تظهره التصريحات الرسمية. إذ تشير تقديرات سياسية إلى وجود تباينات متزايدة بين متطلبات الواقع العسكري من جهة، والاعتبارات السياسية الداخلية من جهة أخرى. فاستمرار الحرب يحمل كلفة متصاعدة، في حين أن وقفها بصورة كاملة يفتح الباب أمام سجالات داخلية حادة حول النتائج والأهداف والإنجازات المعلنة منذ بداية المواجهة.

وتلفت المصادر إلى أن هذا التناقض ينعكس أيضاً على العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية وبعض حلفائها الدوليين، حيث تتزايد الحاجة إلى إيجاد توازن بين منع توسع الحرب وبين الحفاظ على صورة الردع التي تسعى "تل أبيب" إلى ترسيخها. لذلك لا تستبعد المصادر أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات متكررة لإدارة الصراع بدلاً من حسمه، عبر مزيج من الضغوط السياسية والعمليات العسكرية المحدودة والتفاهمات المؤقتة.

ومن جهة أخرى، أعاد الجدل الذي رافق الحديث عن استهداف مطار الكويت فتح باب التساؤلات حول طبيعة الصراع الدائر في المنطقة وحدود الجهات المنخرطة فيه. فبعدما نفى الحرس الثوري الإيراني أي علاقة له بالحادثة، برزت مجدداً أسئلة حول الجهة المستفيدة أو من دفع بعض دول الخليج إلى الانخراط بصورة أكبر في المواجهة القائمة، خصوصاً في ظل التداخل المتزايد بين المسارات العسكرية والأمنية والسياسية.

وترى المصادر أن خطورة بعض هذه الأحداث لا تكمن فقط في نتائجها الميدانية المباشرة، بل في إمكانية توظيفها لتوسيع نطاق الاشتباك واستدراج أطراف إقليمية إضافية إلى قلب المواجهة، ولا سيما دول الخليج التي قد تجد نفسها أمام ضغوط سياسية وأمنية متزايدة للانحياز إلى أحد طرفي الصراع. ولهذا السبب، تؤكد المصادر أن التعامل مع الحوادث الأمنية المتصلة بمنشآت مدنية أو حيوية يتطلب قدراً كبيراً من التروي، لأن أي استنتاجات متسرعة قد تساهم في دفع المنطقة نحو تصعيد لا تريده معظم العواصم المعنية.

في المحصلة، يبدو أن المنطقة لا تقف اليوم أمام تسوية نهائية بقدر ما تقف أمام مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني تحاول خلالها مختلف القوى تثبيت قواعد اشتباك جديدة. وبين الرغبة الأميركية في احتواء الانفجار الكبير، ومحاولة إسرائيل الحفاظ على أوراق ضغطها، وإصرار إيران على منع فرض وقائع جديدة في لبنان والمنطقة، تبقى الجبهة اللبنانية واحدة من أكثر الساحات ارتباطاً بمسار التوازنات الإقليمية المقبلة، ما يجعل أي تهدئة محتملة أقرب إلى إدارة مؤقتة للأزمة منها إلى نهاية فعلية للصراع.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق