الإعدام أُلغي والمؤبد شُدّد.. هل غيّر لبنان العقوبة أم فلسفتها؟ - المساء الاخباري

لبنان 24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
بعد أكثر من عقدين على آخر تنفيذ لحكم بالإعدام في لبنان، انتقل وقف العقوبة من ممارسة استمرت منذ عام 2004 إلى قرار تشريعي بإزالتها من القوانين. فقد أقر مجلس النواب في الجلسة التشريعية التي عقدها يوم الثلاثاء اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام أينما وردت واستبدالها بالمؤبد المشدد مع الأشغال الشاقة، على أن يستكمل القانون مساره الدستوري بالإصدار والنشر قبل دخوله حيز التنفيذ.

Advertisement

 

لا يقتصر التحوّل على الأحكام التي ستصدر بعد نفاذ القانون. فالصيغة المقرة تشمل أيضًا المحكومين بالإعدام الذين لم تُنفذ أحكامهم، لتنقلهم إلى العقوبة البديلة الجديدة. وبذلك لا يغيّر المجلس العقوبة القصوى للمستقبل فقط، وإنما يعيد تحديد المصير القانوني لعشرات المحكومين الموجودين اليوم تحت أحكام بالإعدام، بعدما قدّرت الحملة اللبنانية لإلغاء العقوبة عددهم بنحو 84 شخصًا قبل إقرار القانون.

 

لكن إغلاق باب الإعدام فتح مباشرة سؤالًا عن الباب الذي حلّ مكانه. فالمجلس لم يستبدل العقوبة بالسجن المؤبد بصيغته الأبسط، وإنما اختار مؤبدًا مشددًا مقترنًا بالأشغال الشاقة، في وقت كانت هيئات حقوقية تطالب بإخراج هذه العقوبة أيضًا من النظام الجزائي. وهنا تصبح المسألة أبعد من إنهاء حق الدولة في إعدام المحكوم إلى تحديد فلسفة العقوبة التي ستقضي بأن يبقى في السجن بقية حياته.

 

من وقف التنفيذ إلى محو العقوبة

 

عاش لبنان طوال أكثر من عشرين عامًا مفارقة قانونية واضحة. فالدولة لم تنفذ حكمًا بالإعدام منذ كانون الثاني 2004، لكن المحاكم بقيت قادرة على إصدار العقوبة لأن النصوص التي تفرضها ظلت قائمة. وهكذا تكوّن مع الوقت صف من المحكومين بالإعدام من دون أن تكون هناك إرادة سياسية لتنفيذ أحكامهم، فيما بقي وقف التنفيذ قابلًا نظريًا للعودة عنه ما دامت العقوبة موجودة في التشريع.

 

بهذا المعنى، فإنّ ما أقره مجلس النواب بعد طول انتظار يغيّر هذه المعادلة من أصلها. فبعد نفاذ القانون، لن يكون السؤال متعلقًا بما إذا كانت السلطة التنفيذية ستوقّع مرسوم تنفيذ حكم بالإعدام، لأن القاضي نفسه لن يعود قادرًا على إصدار هذه العقوبة حيث كانت مقررة سابقًا. كما تُلغى الأحكام المتعلقة بآليات تنفيذ الإعدام، وتتحول الأحكام السابقة غير المنفذة إلى العقوبة البديلة التي أقرها المجلس.

 

الفارق هنا جوهري بين تعليق عقوبة وإلغائها. فالتعليق كان قرارًا في كيفية استعمال النص، فيما الإلغاء يزيل النص نفسه من سلّم العقوبات، وبالتالي فهو لم يعد موجودًا ضمن العقوبات التي يستطيع القضاء إصدارها بحق أي متهم يمثل أمامه. ولهذا جاء الترحيب الدولي بالقرار بوصفه انتقالًا من وقف فعلي قابل للتراجع إلى حماية قانونية دائمة للحق في الحياة، لا مجرد استمرار للسياسة التي اتبعها لبنان منذ آخر عمليات الإعدام.

 

المؤبد المشدد.. ماذا بقي من فلسفة العقاب؟

 

تبدأ المعضلة الثانية من اسم العقوبة الجديدة نفسها. فالأشغال الشاقة ليست غريبة عن قانون العقوبات اللبناني، وقد صدرت بها أحكام عديدة، إلا أن تطبيقها العملي أصبح محدودًا إلى درجة كبيرة. والصيغة الأخيرة التي سبقت التصويت ذهبت أبعد، إذ أنشأت المؤبد المشدد مع الأشغال الشاقة بوصفه العقوبة التي ستحل محل الإعدام، ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا عن معنى الأشغال الشاقة في سجون لا تملك أصلًا بنية واضحة لتنفيذها.

هذه النقطة لم تظهر بعد التصويت فقط. فالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان كانت قد رحبت بمسار إلغاء الإعدام، لكنها طالبت في الوقت نفسه بإلغاء الأشغال الشاقة واستبدالها بعقوبات سالبة للحرية تنسجم مع غاية إعادة التأهيل واحترام الكرامة الإنسانية. كما لفتت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن قواعد الأمم المتحدة لمعاملة السجناء تمنع أن يكون عمل السجين ذا طبيعة عقابية مؤذية.

 

المفارقة أن البديل الذي يفترض أن يعبّر عن انتقال النظام الجزائي إلى مرحلة جديدة يعيد النقاش إلى عقوبة يظل مضمونها التنفيذي ملتبسًا. فإذا كانت الأشغال الشاقة لا تُطبق فعليًا كما ينص عليها القانون، يصبح جزء من التشديد اسمًا تشريعيًا أكثر منه واقعًا عقابيًا. أما إذا أريد تنفيذها فعلًا، فسيكون على الدولة أن تحدد طبيعة هذا العمل وحدوده وضماناته، في ظل قواعد دولية تجعل التأهيل لا الإيلام غاية العمل داخل السجن.

 

لا يقلل ذلك من أهمية ما أقره مجلس النواب. فالفرق كبير بين دولة تملك عقوبة الإعدام ولا تستخدمها ودولة تقرر حذفها من تشريعاتها، خصوصًا أن الإلغاء يشمل الأحكام غير المنفذة ولا يترك فئة من المحكومين معلقة تحت عقوبة لم تعد موجودة. لكن هذه الخطوة تكشف في الوقت نفسه أن إصلاح النظام العقابي لا ينتهي عند أعلى درجة في سلّم العقوبات، ليتحوّل النقاش سريعًا إلى ما تعنيه عقوبة المؤبد المشدد، وما الغاية التي يريدها النظام الجزائي من العقوبة بعد أن تخلّى عن إنهاء حياة صاحبها. 

أخبار ذات صلة

0 تعليق