كواليس 18 ساعة من المفاوضات.. إيران تفرض معادلة هرمز ولبنان على طاولة فانس

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

شهد منتجع بورجنستوك السويسري اختتام الجولة الأولى من المحادثات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة ودولة إيران بعد جولة مفاوضات ماراثونية امتدت لنحو ثماني عشرة ساعة، حيث أعلن الوسطاء من قطر وباكستان عن تحقيق تقدم مشجع بين الأطراف المتنازعة، مما مهد الطريق لإنهاء المسار السياسي الحالي والانتقال الفوري إلى المباحثات الفنية المتخصصة المشتركة للوصول إلى تسوية شاملة للأزمات العالقة في المنطقة.

وحسب تقرير لوكالة رويترز الإخبارية والبيانات الدبلوماسية الصادرة عن الدول الراعية، فإن هذه المحادثات التي جرت في أجواء إيجابية وبناءة أسفرت عن إقرار إطار تنظيمي متكامل يهدف لإدارة عملية التفاوض المستقبلية، حيث اتفقت الوفود المشاركة على صياغة مذكرة تفاهم إسلام آباد التي تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات السياسية والأمنية، مع السعي الحثيث لضمان التزام كافة الأطراف الإقليمية ببنود هذا الاتفاق الدولي طوال الفترة الزمنية المحددة سلفا.

آليات تنظيمية وخارطة طريق لاتفاق نهائي شامل

وتضمن الإطار التنظيمي الجديد المعلن عنه في ختام المباحثات تشكيل لجنة عليا تتولى مهمة الإشراف السياسي المباشر على مسار الوساطة القطرية الباكستانية، بالإضافة إلى تأسيس مجموعات عمل فنية متخصصة وخط اتصال مباشر خاص بمضيق هرمز الحيوي، فضلا عن إنشاء خلية متقدمة لخفض التصعيد العسكري في لبنان، مما يعكس الرغبة المشتركة في تثبيت المكتسبات الدبلوماسية المحققة ومنع أي تراجع في غضون الأسابيع المقبلة.

وأفاد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بأن المفاوضات نجحت في إرساء خارطة طريق واضحة المعالم تستهدف التوصل إلى اتفاق نهائي وحاسم خلال ستين يوما، حيث ستقوم اللجنة العليا بتلقي تقارير دورية ومستمرة من كبار المفاوضين لمتابعة الملفات المعقدة، مع التركيز الكامل على الملف النووي الحساس لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة وتجنب أي تفسيرات خاطئة قد تؤثر سلبا على سير هذه التفاهمات المشتركة.

وجاء هذا الإعلان الختامي بعد بداية متعثرة سادتها حالة من التوتر الشديد والتهديدات المتبادلة، حيث أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصريحات قوية تزامنت مع تضارب الروايات الرسمية بين واشنطن وطهران حول استمرار المسار التفاوضي، قبل أن يتدخل الوسطاء لإصدار بيان مشترك يؤكد التزام الجميع بضبط النفس ومواصلة اللقاءات الفنية في سويسرا حتى نهاية الأسبوع الجاري بهدف تذليل كافة العقبات المتبقية بين الجانبين.

وترأس الوفد الأمريكي في هذه القمة الاستثنائية نائب الرئيس جيه دي فانس بمشاركة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، حيث أكد فانس أن الرئيس الأمريكي وجه فريقه لفتح صفحة جديدة في العلاقات السياسية، مشيرا إلى أن طبيعة القضايا المطروحة للنقاش تبدو معقدة للغاية بسبب ارتباطها الوثيق بملفات إقليمية شائكة تتطلب مرونة كبيرة وتفاهمات عميقة من كافة الأطراف المعنية لضمان نجاح هذا المسار الدبلوماسي الحرج.

الموقف الإيراني والتوترات السياسية في أروقة المنتجع

وفي المقابل مثل إيران في هذه المباحثات رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، حيث غادر الوفد الرئيسي عائدًا إلى العاصمة طهران بعد المشاركة في اجتماعات ثنائية ومتعددة الأطراف مع الوسطاء وااجتماع رباعي استمر ثمانين دقيقة مع الجانب الأمريكي، في حين تولى نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي رئاسة الوفد الفني لمتابعة صياغة البنود القانونية الدقيقة للاتفاق المرتقب.

وشهدت الكواليس توترا ملحوظا بعد نشر الرئيس الأمريكي رسالة وصفتها وسائل إعلام تابعة لدولة إيران بالمهينة، حيث هدد ترمب بضرب الفصائل المسلحة بقوة إذا لم تتوقف عن إثارة المشاكل في المنطقة، مما دفع الوفد الإيراني للرد الحازم عبر تصريحات قاليباف الذي أكد أن بلاده لا تأخذ هذه التهديدات على محمل الجد وأن القوات المسلحة جاهزة للرد بطرق مختلفة ومبتكرة لحماية الأمن القومي.

واعتبر وزير الخارجية عباس عراقجي أن ملف دولة إيران ولبنان يمثل الاختبار الحقيقي الأول لنجاح خلية خفض التصعيد المشتركة، موضحا أن الوساطة نجحت في تحقيق تقدم كبير لإنهاء الحرب في لبنان والعمل على وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، مما يمهد الطريق لتنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم التي تربط البدء الفعلي في مفاوضات الاتفاق النهائي بالاستقرار الكامل والمستدام على الأرض دون أي خروقات ميدانية.

وعلى الصعيد الميداني أظهر وقف إطلاق النار في جنوب لبنان تماسكا ملحوظا ليكون الهدوء الأطول منذ بداية مارس الماضي، ورغم غياب الغارات الإسرائيلية وهجمات حزب الله إلا أن غياب الطرفين عن توقيع الاتفاق يثير مخاوف مستمرة، خاصة مع تأكيد إسرائيل بقاء قواتها في الجنوب ورفض أمين عام حزب الله نعيم قاسم لأي منطقة أمنية، مما يجعل دور الوسطاء محوريا لضمان استمرار هذا الاستقرار الهش.

مضيق هرمز وإعفاءات النفط ومسار التبادل التجاري الدولي

واحتل ملف مضيق هرمز صدارة المناقشات الساخنة في سويسرا بعد إعلان طهران إغلاق الممر المائي الاستراتيجي بسبب استمرار العمليات العسكرية في لبنان، مما أدى إلى تراجع حاد في حركة عبور السفن التجارية حسب بيانات شركة كبلر المتخصصة في تتبع الشحن البحري، والتي أكدت انخفاض عدد الناقلات العابرة بشكل كبير، مما أثار قلقا دوليا واسعا بشأن إمدادات الطاقة العالمية وسلامة خطوط الملاحة البحرية الدولية.

ورغم النفي الأمريكي الرسمي لقيام دولة إيران بإغلاق المضيق مجددا إلا أن تقارير وكالة فارس التابعة للحرس الثوري أكدت منع إصدار تصاريح العبور للسفن التجارية، مما دفع الأطراف في قمة بورغنستوك للاتفاق الفوري على إنشاء خط اتصال مباشر لتفادي الحوادث وسوء الفهم، وضمان المرور الآمن لكافة الناقلات عبر هذا الممر الحيوي الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي لاقتصاديات العديد من الدول الكبرى في العالم.

وتفاعلت أسواق الطاقة العالمية سريعا مع الأنباء الإيجابية الصادرة عن المنتجع السويسري حيث تراجعت أسعار النفط فور إعلان خريطة الطريق، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من واحد بالمئة لتصل إلى حوالي تسعة وسبعين دولارا للبرميل الواحد، كما لحق به خام غرب تكساس الوسيط الذي سجل تراجعا ملحوظا في التداولات الفورية المبكرة، مما يعكس الارتياح النسبي للمستثمرين تجاه إمكانية تجنب مواجهة عسكرية واسعة النطاق.

وأشار وزير الخارجية العراقي عباس عراقجي إلى أن هذه التفاهمات تضمنت منح إعفاءات عاجلة لصادرات النفط والبتروكيماويات الخاصة بدولة إيران، بالإضافة إلى رفع الحصار الاقتصادي المفروض والإفراج عن جزء من الأصول المالية المجمدة في الخارج، إلى جانب إطلاق خطة تنموية واقتصادية كبرى لإعادة الإعمار، وهي الخطوات المرتبطة بتنفيذ البنود الأول والعاشر والحادي عشر من مذكرة التفاهم التي جرى إقرارها بالكامل بين الوسطاء والأطراف المعنية.

المفاوضات الفنية وممستقبل الملف النووي الإيراني الشائك

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي انطلاق المفاوضات الفنية الرسمية بمشاركة خبراء في الشؤون القانونية والسياسية والاقتصادية بهدف صياغة آليات واضحة لتنفيذ مذكرة التفاهم المشتركة، حيث ستركز مجموعات العمل المتخصصة على ملفات العقوبات الدولية والبرنامج النووي وبناء آليات دقيقة للمراقبة وتسوية الخلافات الناشئة، لضمان الالتزام الكامل بما تم الاتفاق عليه وتفادي أي تفسيرات أحادية الجانب قد تعطل المسار الدبلوماسي الشامل والنهائي.

ومن جانبها رحبت وزارة الخارجية السويسرية بالتقدم البناء الذي أحرزته الوفود خلال جولات التفاوض الليلية المكثفة في منتجع بورغنستوك، مشيرة إلى أن التوافق على خريطة الطريق يوفر البيئة الملائمة للاستئناف الفوري للمباحثات الفنية على مستوى الخبراء، مما يعزز الآمال الإقليمية الدولية في إمكانية إنهاء هذا النزاع الطويل عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية وبعيدا عن لغة التصعيد العسكري التي هددت الأمن والسلم الدوليين.

وفيما يتعلق بالقضية النووية أوضح بقائي أن الجولة الأولى شهدت نقاشا مقتضبا وموجزا للغاية دون الدخول في التفاصيل الفنية المعقدة، حيث عرض الوفد الأمريكي مواقفه الأساسية باختصار وردت عليه طهران بعرض مماثل، لتنفي الخارجية بذلك بدء المفاوضات النووية الشاملة في الوقت الحالي، على الرغم من تصريحات دبلوماسي أمريكي رفيع أكد فيها أن المناقشات في سويسرا شملت كافة الجوانب المتصلة بالاتفاق النووي السابق والملفات المرتبطة به.

وتمنح مذكرة تفاهم إسلام آباد مهلة ستين يوما قابلة للتمديد بموافقة الأطراف لتسوية كافة الملفات الكبرى بما يشمل مستقبل التخصيب والعقوبات والأصول المقيدة، وفي حين تؤكد طهران باستمرار عدم سعيها لامتلاك أسلحة نووية فإنها تصر على حماية حقها المشروع في تطوير التكنولوجيا السلمية، مما يجعل الأسابيع القادمة حاسمة في تحديد مصير الاستقرار الإقليمي وقدرة الدبلوماسية الدولية على صياغة اتفاق تاريخي متكامل وجديد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق